الذاكرة الجماعية في عصر الخوارزميات
الخوارزميات لا تدير فقط خلاصاتنا: إنها تعيد كتابة الذاكرة الجماعية، وتقرر ما نتذكره عبر الإنترنت وما يختفي في الضجيج الرقمي. بين الأرشيفات العالمية، والذكاء الا
الذاكرة الجماعية هي الطريقة التي تتذكر بها المجتمع نفسها من خلال القصص والصور والأرشيف والطقوس المشتركة. اليوم، يمر هذا العملية بشكل متزايد عبر الخوارزميات التي تختار وتصنف وتعيد عرض ما نراه عبر الإنترنت، محولة الإنترنت إلى نوع من "الأرشيف العالمي" الديناميكي وغير المستقر في نفس الوقت.
مقدمة: لماذا هذا موضوع عاجل اليوم
عندما تفتح وسيلة تواصل اجتماعي، أو تبحث عن شيء على جوجل، أو تترك مساعدًا افتراضيًا يلخص لك تاريخ حدث ما، فأنت تفوض إلى خوارزمية مهمة اختيار أجزاء الماضي التي تستحق التذكر. الأمر لا يتعلق فقط بصورك أو رسائلك، بل بذاكرة مجتمعات بأكملها: الحروب، الصدمات، الانتصارات، المظالم، لحظات الاحتفال والأزمات.
لقد حول الرقمي الذاكرة من "صندوق الماضي" إلى تيار مستمر من الذكريات المقترحة، وإشعارات "في مثل هذا اليوم"، ومنشورات تعاود الظهور، ومقالات تُعرض مرة أخرى لأنها أصبحت فجأة فيروسية من جديد. مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، لا يقتصر هذا التيار على الحفظ فحسب، بل يعيد الصياغة والتوليف والكتابة، ويخلق سرديات جديدة انطلاقًا من الآثار التي نتركها على الإنترنت.
في هذا السيناريو، الحديث عن الذاكرة الجماعية يعني الحديث عن السلطة: من يقرر ما يتم أرشفته، وما يوضع على الصفحة الأولى، وما يبقى على الهامش أو يُسكت. وهنا تدخل في اللعبة ليس فقط التقنيون، بل أيضًا المواطنون والمؤسسات والمعلمون والمشاريع العالمية مثل برنامج ذاكرة العالم التابع لليونسكو، الذي يحاول حماية التراث الوثائقي للبشرية في شكل رقمي.
ما هي الذاكرة الجماعية في العصر الرقمي؟
الذاكرة الجماعية، بالمعنى الكلاسيكي، هي مجموع الذكريات والرموز والسرديات التي يبنيها المجتمع وينقلها عبر المؤسسات ووسائل الإعلام والمدرسة والطقوس والثقافة. في العصر الرقمي، كما يوضح الدراسات السوسيولوجية المعاصرة حول الذاكرة، تتداخل هذه القنوات مع منصات عالمية وأرشيفات سحابية ووسائل التواصل الاجتماعي ومحركات البحث التي أصبحت بنى تحتية مركزية للذكرى المشتركة.
اليوم، جزء مهم من الذاكرة الجماعية يُبنى على منصات تؤرشف كل شيء: مقاطع الفيديو والتعليقات والمنشورات والمقالات والوثائق التاريخية الرقمية. بالتوازي، تستخدم آلاف المبادرات المحلية والعالمية (أرشيفات حول الهولوكوست، مجموعات صورية، مشاريع تعاونية للتوثيق) الرقمنة لجعل الذاكرة التاريخية أكثر سهولة.
لكن الذاكرة الجماعية ليست فقط ما يتم حفظه: بل هي أيضًا ما يتم تسليط الضوء عليه وتقديمه في سياقه وإعادة تفسيره في الحاضر. وهذا الجزء اليوم يتوسطه بشكل كبير خوارزميات تقرر أي محتوى تروج له، وأي روابط تقترحه، وأي أخبار تعيد عرضه بناءً على معايير الاهتمام والمشاركة والتوصيف. المنصات ليست مجرد أرشيفات سلبية، بل هي ناشرون خوارزميون حقيقيون للذاكرة الاجتماعية.
كيف تعيد الخوارزميات كتابة الذاكرة الجماعية؟
الخوارزميات التي تحكم وسائل التواصل الاجتماعي ومحركات البحث وأنظمة التوصية لا تقتصر على حفظ المعلومات: فهي تختار ما يصبح مرئيًا وفيروسيًا ولا يُنسى. تعمل كنوع من "الأمين الأرشيفي الخفي" الذي يقرر أي القصص تبرز وأيها تُدفن في العمق، غالبًا دون أن يدرك المستخدم ذلك.
في هذا الموضوع، أظهرنا بالفعل كيف يمكن للخوارزميات أن تضخم التحيزات والتمييز الخفي، مؤثرة على الوصول إلى الفرص والعدالة الاجتماعية. نفس الآلية تعمل على الذاكرة الجماعية: إذا كانت البيانات التي تُدرَّب عليها الخوارزميات وتعمل بها غير مكتملة أو مشوهة، فسيكون سرد الماضي الناتج عنها مشوهًا أيضًا.
في حالة التضليل الإعلامي الذي يغذيه الذكاء الاصطناعي، غالبًا ما تكافئ الخوارزميات المحتويات المستقطبة والعاطفية القوية، مما يعزز انتشار السرديات الكاذبة أو المحرفة التي تنتهي بالترسّب كـ "ذكرى زائفة" جماعية. كما تم تحليله في دراسات حديثة حول التضليل الإعلامي الموجه بالذكاء الاصطناعي (مراجعة التضليل الإعلامي بجامعة هارفارد)، فإن الأدوات التوليدية قادرة على إنتاج أخبار سياسية زائفة تكاد لا تُفرق عن الحقيقية، مع تأثير مباشر على تصور التاريخ الحديث والعمليات الديمقراطية.
نحو أرشيف عالمي؟ الفرص والمخاطر
هل يمكننا حقًا الحديث عن أرشيف عالمي للذاكرة؟ جزئيًا نعم: بفضل الرقمنة، كمية هائلة من الوثائق والصور والشهادات والأعمال متاحة على الإنترنت، يمكن الوصول إليها من أي مكان في العالم.
ومع ذلك، فإن هذا "الأرشيف العالمي" ليس محايدًا أو كاملاً بأي حال من الأحوال. هناك أجزاء كاملة من الذاكرة الجماعية تبقى مستبعدة: أرشيفات غير رقمية، أصوات مهمشة، لغات أقليات، مجتمعات ليس لديها الموارد لتوثيق تاريخها. لقد غير الانتقال إلى الرقمي بشكل عميق ما يتم تذكره وما لا يتم تذكره، مضاعفًا المواد ولكن أيضًا مخاطر التشبع المعلوماتي و"الضوضاء".
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تنظيم هذا البحر من البيانات وجعله قابلاً للاستكشاف، ولكنه يمكن أيضًا أن يغير تصور الواقع إذا لم يتم تنظيمه. في هذا الإطار، تصبح تأملات مثل تلك حول التخدير العاطفي الرقمي حاسمة لفهم كيف تؤثر المحتويات التي تُعرض علينا مرة أخرى ليس فقط على ما نتذكره، بل أيضًا على ما نعتقد أننا عشناه كمجتمع.
أمثلة عملية: ماذا يحدث اليوم؟
لجعل هذا السيناريو ملموسًا يمكننا النظر إلى ثلاثة أنواع من الحالات:
- الأرشيفات التاريخية الرقمية والذكاء الاصطناعي: يستخدم العديد من المتاحف والمكتبات ومراكز الأبحاث الذكاء الاصطناعي لفهرسة المجموعات الرقمية الكبيرة وجعلها قابلة للبحث. يتراوح هذا من التراث الوثائقي المدعوم من اليونسكو إلى قواعد البيانات الأكاديمية مفتوحة الوصول المتطورة التي تستخدم التعلم الآلي لربط أشكال جديدة من الشهادة التاريخية.
- وسائل التواصل الاجتماعي كـ "ذاكرة متصلة": تخلق وسائل التواصل الاجتماعي شكلًا من الذاكرة "التوصيلية"، حيث تتداخل الذكريات الشخصية مع الذكريات العامة عبر المشاركات ووسوم الهاشتاغ. تقرر الخوارزميات ما يجب إعادة عرضه في "ذكريات اليوم" وأي السرديات يتم تعزيزها بمرور الوقت.
- التضليل الإعلامي والتاريخ الحديث: يمكن للسرديات الكاذبة حول الانتخابات أو الأوبئة أو الصراعات أن تنتشر وتترسخ بسرعة كـ "ذاكرة عامة". كما تم استكشافه في مقالنا حول الأخبار المزيفة والذكاء الاصطناعي: حرب معلوماتية، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي للتلاعب بتصورنا للحاضر، وبالتالي، للماضي القريب.
النقاط الرئيسية
- تنشأ الذاكرة الجماعية الرقمية من تداخل الأرشيفات المؤسسية والمنصات الخاصة وخوارزميات التوصية التي تختار ما هو مرئي وما يبقى مخفيًا.
- يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهل الوصول إلى التراث الوثائقي العالمي، ولكنه يمكن أيضًا أن يضخم التحيزات والتضليل الإعلامي و"الذكريات الزائفة" الجماعية.
- لا يوجد حتى الآن أرشيف عالمي حقيقي محايد: على الرغم من وجود مشاريع حماية دولية، تبقى العديد من ذكريات المجتمعات على هامش الأنظمة الرقمية الكبيرة.
- كمواطنين، يمكننا تطوير الوعي حول الآليات الخوارزمية، واختيار مصادر موثوقة، ودعم المبادرات التي تحافظ على تعددية الذكريات.
الأسئلة الشائعة
1. ماذا تعني "الذاكرة الجماعية الخوارزمية"؟ تعني أن جزءًا متزايدًا من ذكرياتنا المشتركة – الأحداث التاريخية، السرديات الاجتماعية، الصور الرمزية – يتم اختياره وتصنيفه وإعادة عرضه بواسطة خوارزميات. لم تعد المدرسة أو التلفزيون فقط هما من يقرران ما نتذكره، بل المنصات الرقمية التي تحسن خلاصات النتائج بناءً على نماذج السلوك.
2. هل الأرشيف العالمي الرقمي ممكن حقًا؟ من الناحية الفنية، من الممكن أرشفة كميات هائلة من الوثائق وجعلها متاحة في أي مكان. لكن الأرشيف العالمي الحقيقي يتطلب معايير مشتركة وشاملة وشفافة حول ما يجب حفظه، وكيفية وصفه، ومن يديره، وكيفية منع الاستبعاد والتشويه.
3. كيف يمكن للذكاء الاصطناعي تشويه الذاكرة الجماعية؟ من خلال تضخيم المحتويات المشوهة أو الكاذبة، واستبعاد أصوات أو أحداث معينة بشكل منهجي، وإعادة كتابة الماضي من خلال تلخيصات تبسط التعقيد التاريخي بشكل مفرط. هذه التأثيرات خطيرة بشكل خاص عندما تعمل بشكل خفي داخل المنصات التي نستخدمها كل يوم.
4. ماذا يمكننا أن نفعل كأفراد لحماية الذاكرة الرقمية؟ يمكننا تنمية "محو الأمية الخوارزمية": فهم أن ما نراه على الإنترنت يتم تصفيته، والتحقق من المصادر، ودعم المشاريع التعددية. يمكننا أيضًا اختيار منصات تقدم المزيد من الشفافية، وتطبيق المبادئ التي نقترحها في أدلتنا حول الخصوصية الرقمية في العصر الخوارزمي.
5. لماذا تتحدث اليونسكو والمؤسسات كثيرًا عن الأرشيفات الرقمية؟ لأن الوثائق والصور والتسجيلات معرضة لخطر الضياع دون برامج حفظ طويلة الأمد. تسعى مبادرات مثل "ذاكرة العالم" إلى ضمان بقاء جزء على الأقل من هذا التراث متاحًا كمنفعة عامة.
الخلاصة: نحو أي ذاكرة جماعية نريد أن نتجه؟
فكرة أرشيف عالمي كبير للذاكرة فاتنة: مكان رقمي تحفظ فيه البشرية آثارها، يمكن الوصول إليه من قبل أي شخص، في أي وقت. ولكن إذا نظرنا بشكل أفضل، نكتشف مشهدًا مجزأً، تحكمه مصالح مختلفة وتتقاطع فيه خوارزميات تُرشح وتُرتِّب وتُعيد تفسير ما يتم تذكره.
كما تكتب اليونسكو في بيانها، "التراث الوثائقي للعالم ملك للجميع، يجب الحفاظ عليه وحمايته بالكامل ويجب أن يكون في متناول الجميع دون عوائق". مبدأ يصطدم اليوم ببنى تحتية رقمية غالبًا ما تكون معتمة وخصخصة.
السؤال الحقيقي إذن ليس فقط "هل سيكون لدينا أرشيف عالمي؟"، بل "أي نوع من الذاكرة الجماعية نريد بناءها بمساعدة الخوارزميات؟". الاختيار يعني المشاركة: الاطلاع، والنقاش، ودعم المشاريع التي تعامل الذاكرة ليس كقاعدة بيانات بسيطة لتحقيق الربح، بل كمنفعة عامة يجب زراعتها معًا.