الذكاء الاصطناعي يكتب القوانين: ليس خيالاً علمياً، بل واقع بالفعل في دبي

تجرب دبي استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة القوانين. ابتكار يثير تساؤلات جوهرية حول العدالة والشفافية والرقابة الخوارزمية

إذا قيل لك إن القوانين من الآن فصاعدًا ستكتبها ذكاءً اصطناعيًا، هل ستتخيل على الفور مستقبلًا ديستوبيًا على غرار بلاك ميرور؟ ومع ذلك، في دبي، بدأ كل شيء بالفعل. أطلقت الإمارات العربية المتحدة مبادرة رائدة لإشراك الذكاء الاصطناعي في العمليات التشريعية، مؤكدة أنه سيكون من الممكن إنشاء مسودات تشريعية تلقائيًا، وتقييم تأثيرها، وتبسيط لغتها لجعلها في متناول جميع المواطنين.

إعلان يهز المشاعر، ويأسر العقول، ويجعلنا نفكر. هل يمكن لخوارزمية حقًا أن تكتب القوانين؟ وإذا كان الأمر كذلك، فمن الذي يتحكم فيها؟

ما هو التشريع بالذكاء الاصطناعي وكيف يعمل

كتابة القانون هي عملية معقدة: فهي تتطلب مهارات قانونية، وتوازنًا بين المصالح المتعارضة، وقدرة على توقع العواقب. تقليديًا، هي نشاط حصري للمشرع البشري، بمساعدة من المحامين والخبراء والموظفين. لكن الذكاء الاصطناعي يغير قواعد اللعبة.

في دبي، الفكرة هي استخدام نماذج لغوية متقدمة (مشابهة لـ ChatGPT) لتحليل النصوص الحالية، وتحديد التكرارات، وصياغة قواعد جديدة بناءً على احتياجات اجتماعية أو اقتصادية أو تكنولوجية. يمكن للذكاء الاصطناعي:

  • إنشاء مسودة قانونية متناسقة مع الإطار القانوني الحالي؛
  • اقتراح تعديلات بناءً على سيناريوهات تنبؤية؛
  • ترجمة النص إلى لغة مبسطة للمواطنين؛
  • محاكاة تأثير القوانين على قطاعات ومجموعات اجتماعية مختلفة.

تم الإعلان عن المشروع كجزء من استراتيجية "مبرمجي الإمارات" ويهدف إلى تحويل دبي إلى أول سلطة قضائية مصممة بالذكاء الاصطناعي في العالم. Foreign Policy

الذكاء الاصطناعي والحوكمة: هل هي ثنائية محفوفة بالمخاطر؟

يُفتح استخدام الذكاء الاصطناعي في الإنتاج التشريعي آفاقًا استثنائية: سرعة أكبر، وضوح لغوي أعلى، ومراقبة للتناقضات القانونية. يمكن للذكاء الاصطناعي أيضًا المساهمة في جعل القانون أكثر "حيادية"، من خلال التخلص من بعض التحيزات البشرية. ولكن هل الأمر بهذه البساطة حقًا؟

لا. الخوارزميات ليست محصنة ضد التحيز: على العكس، إذا تم تدريبها على نصوص تشريعية مليئة بالتحيزات (تمييز تاريخي، قوانين جنسانية أو إقصائية)، فسوف تميل إلى تكرارها أو تضخيمها. والأكثر من ذلك: من يتحكم في النموذج؟ من يحدد القوانين التي يستند إليها؟ من يقرر المعايير المستخدمة للحكم على أن "هذا قانون جيد"؟

الخطر يكمن في أن القانون قد يفقد عنصره البشري والثقافي والتاريخي، ويصبح منتجًا تقنيًا محسوبًا، وربما قابلًا للتلاعب من قبل من لديه إمكانية الوصول إلى الخوارزمية.

دبي كتجربة عالمية: ما الذي يتغير (ولمن)

حالة دبي ليست حالة منعزلة: ففي إستونيا وكندا والمملكة المتحدة أيضًا يتم استكشاف طرق لدمج الذكاء الاصطناعي في العمليات التنظيمية، خاصة على المستوى المحلي. لكن الإمارات هي الأولى التي تجعل منه مشروعًا سياسيًا صريحًا.

لدولة مركزية بقوة ومؤيدة للتكنولوجيا مثل دبي، يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة للكفاءة. لكن في السياقات الديمقراطية والتعددية، يثير استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة القوانين تساؤلات أعمق: هل هو متوافق مع التمثيل؟ مع النقاش البرلماني؟ مع الرقابة العامة؟

يمكن أن تتحول هذه المبادرة إلى مختبر للمستقبل: عدالة خوارزمية، آلية، ولكن أيضًا يمكن أن تكون أكثر سهولة في الوصول. أو يمكن أن تصبح سابقة خطيرة، إذا استخدمت لتعزيز نماذج سلطوية أو غير شفافة.

ماذا لو كانت جميع القوانين في المستقبل مكتوبة بواسطة الذكاء الاصطناعي؟

نحن أمام مفترق طرق: استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة دعم (تبسط، تحلل، تساعد)، أو تفويضه بوظائف إبداعية واتخاذ قرار أساسية.

التحدي الحقيقي سيكون إيجاد توازن: ذكاء اصطناعي في خدمة العدالة البشرية، وليس العكس. لأن القانون، ليكون شرعيًا، يجب أن يكون مفهومًا، متفقًا عليه، قابلًا للنقاش. ويجب أن يولد من مجتمع حي، وليس من توقع إحصائي.

الخلاصة: نحتاج إلى أخلاقيات للكتابة الخوارزمية

حالة دبي تجبرنا على مواجهة سؤال غير مريح: هل نريد أن تكون الخوارزميات هي من تخبرنا ما هو الصحيح؟ إذا كان من ناحية يمكن للذكاء الاصطناعي تحسين عمل المؤسسات، فمن ناحية أخرى يمكن أن يصبح أداة لسلطة مركزية، يصعب فحصها.

لتعميق هذه الآثار، أوصيك أيضًا بمقال أخلاقيات الذكاء الاصطناعي: لماذا تهمنا جميعًا، الذي يتناول موضوع العلاقة بين التكنولوجيا والعدالة الاجتماعية.

نحتاج إلى أخلاقيات جديدة للتشريع، تأخذ التكنولوجيا في الاعتبار، ولكن لا تفقد الإنسانية من ناظريها.